استراتيجية تركيا الجديدة في الفضاء
في فجر الثاني من نوفمبر 2025، انطلق صاروخ “فالكون 9” التابع لشركة سبيس إكس، حاملا معه قمرا صناعيا تركيا، “إف جي إن-100-دي2″، من قاعدة كيب كانافيرال الفضائية بولاية فلوريدا.
وفي يناير الماضي، أطلقت “فرغاني” أول قمر صناعي لها من قاعدة “فاندنبرغ” الأمريكية، هو (FGN-100-d1).
تأسس شركة فرغاني التركية عام 2022 وهي متخصصة في أبحاث الفضاء، واسمها مستمد من عالم الرياضيات والفلكي المسلم أحمد بن كثير الفرغاني (توفي عام 865 ميلادي).
بعد مرور 74 دقيقة من الإقلاع، انفصل القمر الصناعي عن مركبة الإطلاق ودخل في مدار أرضي منخفض على ارتفاع نحو 510 كيلومترا. وبدأ مهمته التجريبية، مرسلا أول بياناته إلى مركز التحكم في إسطنبول، لإعلان بدء التشغيل.
ويدور القمر حول الأرض بسرعة 7.6 كيلومترا في الثانية، أي أنه يكمل 15 دورة كاملة يوميا.
ويمثل هذا الإطلاق المرحلة الثانية من مشروع “أولوغ بيك” التركي لبناء منظومة فضائية مستقلة، لتأمين خدمات تحديد المواقع والاتصالات الجغرافية بدقة عالية دون الاعتماد على الأنظمة العالمية القائمة.
وذلك في إطار تعزيز السيادة التقنية لتركيا في الفضاء وخدمة احتياجاتها المدنية والعسكرية.
وقال سلجوق بيرقدار رئيس مجلس إدارة “فرغاني سبيس” والرئيس التنفيذي لـ”بايكار” إن القمر الجديد يمثل قمرا تجريبيا “من فئة 100 كجم ضمن مشروع منظومة أولوغ بيك للملاحة العالمية”.
وأضاف أن الشركة تخطط لإطلاق أكثر من 100 قمر صناعي خلال الأعوام الخمسة المقبلة، لتشكيل منظومة ملاحة فضائية تركية متكاملة لتقديم خدمات تحديد المواقع بشكل مستقل لتركيا ودول أخرى.
وتطمح تركيا لبناء شبكة أقمار ملاحة خاصة، توازي الأنظمة العالمية الكبرى مثل “جي بي إس” الأميركي، جلوناس الروسي، جاليلو الأوروبي، بايدو الصيني، وستكون هذه المنظومة تركية في المنشأ والتشغيل والسيادة.
“أولوغ بيك” مشروع استراتيجي لتركيا
يستمد المشروع اسمه من الفلكي الكبير أولوغ بيك، أحد رموز النهضة العلمية في العالم الإسلامي في القرن الخامس عشر.
ويأتي المشروع ضمن رؤية الفضاء التركية 2030 التي تسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي في تكنولوجيا تحديد المواقع والأقمار الصناعية، وإنهاء التبعية التقنية للخارج في هذا المجال.
والاستقلال الفضائي والسيادة التقنية تعني امتلاك القدرة على تصميم وإنتاج وتشغيل الأقمار الصناعية ومنظوماتها الفضائية، دون الاعتماد على أطراف خارجية في التقنية أو البنية التحتية أو خدمات الإطلاق.
ويعني ذلك مراقبة الدولة لأرضها واتصالاتها وملاحتها دون وساطة دولية، مع تزايد أهمية البيانات والمعلومات الدقيقة وسريتها.
ومن يملك أدوات الفضاء هو من يملك الخرائط التي تحدد مسارات الاقتصاد والأمن.
استخدام مدارات منخفضة
تعتمد أنظمة الملاحة العالمية التقليدية مثل “جي بي إس” الأمريكي وجلوناس الروسي على أقمار متوسطة المدار (نحو 20 ألف كم عن الأرض) بعدد محدود يغطي الكرة الأرضية.
لكن منظومة أولوغ بيك نشرت عددا كبيرا من الأقمار الصغيرة في مدارات منخفضة بارتفاع لا يتجاوز 600 كم، لتوفير تغطية إقليمية دقيقة ومرنة بتكلفة أقل.
وهذا التوزيع الكثيف والمرن يقلل إمكانية التشويش أو التعطيل، ويتيح تحديث الأنظمة بطرق أسرع، مع تعويض أي عطل تقني بإطلاق وحدات بديلة.
بينما تتطلب الأنظمة التقليدية استثمارات ضخمة وهياكل ثابتة.
امتلاك تركيا لمنظومة ملاحة مستقلة يعني أنها لن تكون رهينة للأنظمة العالمية في الحصول على خدمات إستراتيجية في الاتصالات، والملاحة، والمعلومات الجغرافية الدقيقة.

البعد الإقتصادي لمنظومة أولوغ بيك
بحسب خطة وزارة الصناعة والتكنولوجيا 2030، تسعى تركيا إلى مضاعفة صادراتها من المنتجات عالية التقنية لتبلغ 30 مليار دولار سنويا.
وتدخل تركيا هذا القطاع في ظل تنامي الطلب على الأقمار الصغيرة وحاجة كثير من الدول إلى بدائل مستقلة عن أنظمة الملاحة التقليدية، وهو ما يمنح شركات مثل “فرغاني سبيس” فرصة من التصنيع والبرمجة إلى الإطلاق، مما يتيح وظائف واستثمارات عالية التقنية.
كما يسهم المشروع في خفض تكلفة التكنولوجيا الإستراتيجية عبر إحلال المنتجات المحلية مكان المستوردة، مما يقلل التبعية التقنية ورفع حصة الصناعات المتقدمة في الصادرات، خاصة إلى آسيا الوسطى والبلقان وأفريقيا.
المصدر: يني شفق +الجزيرة نت

