بدأ التنافس بين الدول الكبرى على تطوير تقنيات اتصالات الجيل السادس «6G»، في وقت لا تزال فيه شبكات الجيل الخامس «5G» في مراحل التوسع والاعتماد في عدد كبير من الأسواق. وتسعى الحكومات والشركات إلى حجز موقع متقدم في هذا القطاع، نظرًا إلى دوره المتوقع في الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية.
ما هو الجيل السادس؟
يشير الجيل السادس إلى منظومة الاتصالات اللاسلكية التي يُتوقع أن تأتي بعد الجيل الخامس. ولا تزال مواصفات 6G النهائية قيد البحث والتطوير والتوحيد، لذلك لا توجد حتى الآن شبكة تجارية عالمية مكتملة بهذا الاسم.
ومن المنتظر أن يوفر 6G سرعات أعلى، وزمن استجابة أقل، وقدرة أكبر على ربط أعداد ضخمة من الأجهزة. كما يُتوقع أن يدعم تطبيقات متقدمة، مثل المدن الذكية، والروبوتات، والواقع الممتد، والمركبات ذاتية القيادة، والطب عن بُعد.
لماذا تتنافس الدول على 6G؟
على الرغم من عدم وجود شبكة تجارية متاحة للمستخدمين، إلا أن بعض الدول قطعت شوطاً كبيراً في بناء “منصات اختبار وطنية متكاملة” (Testbeds) لمحاكاة وتجربة الجيل السادس:
- الصين: تمتلك أكبر عدد من براءات الاختراع في الـ 6G وتجري اختبارات حقلية واسعة، حيث نجحت في إطلاق أقمار صناعية تجريبية لاختبار ترددات “التيرارهرتز” لدمج شبكات الفضاء والأرض (Satellite-Terrestrial Integration).
- كوريا الجنوبية: قامت شركات مثل سامسونج بالتعاون مع المشغلين المحليين بالتحقق الميداني من تقنيات الهوائيات الضخمة (X-MIMO) في النطاقات الترددية الجديدة.
- دولة قطر: أطلقت رسمياً “منصة اختبار الجيل السادس الوطنية” (Qatar 6G Testbed) كمحيط تجريبي متكامل لمحاكاة الشبكات المستقبليّة وتطوير الحلول البرمجية.
- التحالف الدولي الـ 24: تقود الولايات المتحدة تحالفاً يضم 24 دولة (منها بريطانيا، دول الاتحاد الأوروبي، اليابان، الهند، وأستراليا) لتنسيق معايير أمن الشبكات والذكاء الاصطناعي المدمج (AI-Native) لمواجهة التمدد الصيني في هذا القطاع.
- في تركيا، الوضع بأكمله يتركز في قطاع الأبحاث والتطوير (R&D) والمشاريع المشتركة، ولكنها تتحرك بسرعة لضمان أن تكون “مطوّراً” للتكنولوجيا وليس مجرد مستهلك لها.
لا يقتصر التنافس على سرعة الإنترنت، بل يرتبط بالسيادة التقنية والأمن القومي والقدرة على قيادة الاقتصاد الرقمي. فالدولة التي تمتلك التقنيات الأساسية والمعايير وبراءات الاختراع قد تؤثر في شكل الأسواق وسلاسل التوريد خلال العقود المقبلة.
كما يمكن لتقنيات 6G أن تدعم قطاعات استراتيجية، منها الصناعة، والدفاع، والطاقة، والنقل، والفضاء، والخدمات الحكومية. ولهذا تعمل الدول على تمويل مراكز الأبحاث، وتطوير الكفاءات، وتشجيع الشركات المحلية على تسجيل براءات الاختراع.
الولايات المتحدة والصين
تُعد الولايات المتحدة والصين من أبرز الأطراف المشاركة في سباق تطوير الجيل السادس. وتركز الولايات المتحدة على دعم البحث العلمي، وتعزيز التعاون بين الجامعات وشركات التكنولوجيا، والحفاظ على حضورها في وضع المعايير الدولية.
في المقابل، تستثمر الصين في الأبحاث والبنية التحتية والبراءات، وتسعى شركاتها إلى تطوير حلول متقدمة في مجالات الاتصالات والذكاء الصناعي وإنترنت الأشياء. ويأتي هذا التنافس في سياق أوسع يتعلق بالتفوق التكنولوجي وسلاسل توريد أشباه الموصلات والمعدات الرقمية.
دور أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية
تعمل دول أوروبية عدة على تطوير مشاريع بحثية مشتركة في مجال 6G، مع التركيز على كفاءة الطاقة والاستدامة والأمن والموثوقية. كما تواصل اليابان وكوريا الجنوبية الاستثمار في الاتصالات المتقدمة، بالاعتماد على خبرتهما في صناعة الإلكترونيات والشبكات.
ويمنح التعاون بين الحكومات والجامعات والشركات هذه الدول فرصة للمشاركة في صياغة المعايير العالمية، بدل الاكتفاء باستيراد التقنيات من الخارج.
تركيا مطور للجيل السادس
تركز تركيا في قطاع الأبحاث والتطوير (R&D) والمشاريع المشتركة، ولكنها تتحرك بسرعة لضمان أن تكون “مطوّراً” للتكنولوجيا وليس مجرد مستهلك لها. أبرز التحركات تشمل:
- مختبرات الـ 6G المتقدمة (6GEN LAB): أطلقت شركة مختبر التكنولوجيا المتقدمة بهدف الوصول إلى بنية شبكات ذاتية الإدارة بالكامل (Autonomous Networks) بحلول عام 2027 عبر دمج الذكاء الاصطناعي مع الطبقات الفيزيائية للشبكة.
- الاتفاقيات الإستراتيجية للمشغلين: وقعت Turkcell وشركة Ericsson اتفاقية لتطوير تقنيات التوائم الرقمية (Digital Twins) والذكاء الاصطناعي الخاص بالجيل السادس داخل تركيا.
- وقعت اتفاقيات مماثلة للمساهمة في صياغة المعايير العالمية وتطوير براءات الاختراع.
- تطوير البنية التحتية المحلية (ULAK): تعاونت شركة ULAK Communications (المطور الوطني لأبراج ومعدات الاتصالات في تركيا) مع شركات الاتصالات لبناء البنية التحتية البرمجية المستقبلية (O-RAN) واختبارها أولاً في المختبرات ثم الانتقال للحقول التجريبية.
- مشروع 3D-NET و Horizon Europe: تشارك تركيا رسمياً عبر دعم من مؤسسة TÜBİTAK في مشاريع أوروبية مشتركة تركز على مفهوم “الاتصال في كل مكان” لتغطية المناطق النائية عبر دمج شبكات الأرض بالشبكات غير الأرضية (الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار).
كما أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات القطرية إطلاق المنصة الوطنية لتجارب الجيل السادس
قطر وتجارب الجيل السادس
تم خلال فعاليات مؤتمر MWC25 توقيع وثيقة “اتفاقية نوايا”بين هيئة تنظيم الاتصالات وشركة أريد قطر وشركة فودافون قطر، لمشروع وطني مشترك لتجارب وتطوير التقنيات الناشئة الخاصة بالجيل السادس..
ومن المقرر أن تشكل المنصة الوطنية لتجارب الجيل السادس بيئة وطنية متكاملة لاختبار واعتماد التقنيات اللاسلكية المتقدمة قبل طرحها تجاريا.
وستدعم التجارب على نطاقات الترددات العالية، والشبكات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات الاتصال بزمن استجابة فائق السرعة، والحوسبة الطرفية المتقدمة، إضافة إلى الجيل الجديد من إنترنت الأشياء (IoT 2.0).
وبموجب هذه الوثيقة، ستتولى هيئة تنظيم الاتصالات الإشراف على الإطار التنظيمي وتخصيص الترددات اللازمة للتجارب، فيما ستتولى شركة أريد قطر وشركة فودافون قطر تنفيذ البنية التحتية التجريبية لمشروعات الجيل السادس وتقديم الخبرات الفنية اللازمة.
تقنيات اتصالات الجيل السادس
تجمع تقنيات الجيل السادس «6G» بين شبكات الاتصالات اللاسلكية المتقدمة وتقنيات الليزر لتوفير سرعات أعلى وزمن استجابة أقل وقدرة أكبر على نقل البيانات.
ففي الاتصالات الفضائية، يمكن استخدام الاتصالات الليزرية لنقل كميات ضخمة من البيانات بين الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية عبر حزم ضوئية دقيقة، ما يساهم في تحسين خدمات الإنترنت الفضائي والاستشعار عن بُعد.
وعلى المستوى الأرضي، تُستخدم تقنيات الليزر في شبكات الألياف البصرية وروابط الاتصال بين المباني والأبراج، إلى جانب دعم نقل البيانات في البيئات التي تحتاج إلى سعة عالية وسرعة كبيرة.
ومع ذلك، يتطلب الاستخدام الواسع لهذه التقنيات معالجة تحديات مثل تأثر الإشارات الليزرية بالغيوم والغبار والعوائق، إضافة إلى الحاجة لتطوير أنظمة دقيقة للتوجيه والتتبع.
أبرز التحديات
يواجه تطوير 6G تحديات تقنية واقتصادية، من بينها ارتفاع تكلفة البحث والبنية التحتية، والحاجة إلى ترددات جديدة، وضمان أمن الشبكات وحماية بيانات المستخدمين. كما أن تشغيل عدد هائل من الأجهزة يتطلب أنظمة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
وتبرز أيضًا تحديات تتعلق بالمعايير الدولية؛ إذ قد يؤدي اختلاف المعايير بين الدول إلى تجزئة الأسواق ورفع تكلفة الأجهزة والخدمات. لذلك يمثل التنسيق الدولي عنصرًا أساسيًا في نجاح الجيل السادس.
متى يظهر الجيل السادس؟
من المتوقع أن يستمر العمل البحثي لعدة سنوات قبل إطلاق خدمات تجارية واسعة النطاق. ويرتبط الموعد النهائي بتطور المعايير الدولية، ونضج التقنيات، وتوافر الأجهزة والبنية التحتية، فضلًا عن القرارات التنظيمية الخاصة باستخدام الترددات.
خاتمة
يمثل التنافس على تقنيات 6G جزءًا من سباق عالمي أوسع للسيطرة على مستقبل الاقتصاد الرقمي. وبينما تركز الدول على السرعة والابتكار، ستظل قضايا الأمن والخصوصية والاستدامة والتعاون الدولي عوامل حاسمة في تحديد شكل هذه التقنية وانتشارها.
المصدر: مواقع تقنية + وكالة الأنباء القطرية

